علي الشلاه يثري الثقافة العربية

ثقافة و علوم |   11:04 - 26/06/2026


موازين نيوز – بغداد - محمد إسماعيل


كرمت النقابة العامة لإتحاد كتّاب مصر، الشاعر العراقي د. علي الشلاه، تقديراً لدوره في إثراء الثقافة العربية، وجاء في تقرير النقابة الذي حمل عنوان (علي الشَّلاه.. شاعرٌ بابليٌّ يحملُ وطنه في حقيبة الرِّيح) أن "د. علي الشَّلاه، ليس شاعرًا يكتبُ القصيدةَ فحسب، بل شاعرٌ تبدو القصيدة عنده كأنها تكتبُ سيرتها من خلاله؛ فمنذ ظهوره ضمن جيل الثمانينيات العراقي، ذلك الجيل الذي خرج من رماد الحُروب والأسئلة الكبرى، بدا صوته مختلفًا، لا لأنه أراد الاختلافَ، بل لأن لُغته كانت تبحثُ عن ممرٍّ آخر إلى الشعر، غير الممرات التي اعتادها مجايلوه.
 وهو عندي واحدٌ من أبرز أصوات هذا الجيل؛ لما في تجربته من فرادة في الرؤية والصورة والبناء الشعري، وينتمي علي الشَّلاه إلى أرض بابل، وبابل عنده ليست مكانًا جغرافيًّا فحسب، بل قدَرٌ شعريٌّ وثقافيٌّ.
إنها الذاكرة الأولى التي ظلت ترفدُ قصائده بالرموز والأساطير والحنين. ولهذا كثيرًا ما يظهر البابلي في شعره بوصفهِ هويةً رُوحية لا مجرد انتماء مكاني. وقد ظل هذا الحضُورُ البابليُّ علامةً فارقةً في معظم أعماله الشعرية.
أما خصوصية تجربته الشعرية فتتجلى في قدرته على الجمع بين الإرث الحضاري العميق وحساسية القصيدة الحديثة.. إنه شاعر رؤيا أكثر منه شاعر حكاية، لا يكتب الواقع كما هو، بل يعيد خلقَهُ عبر شبكةٍ كثيفةٍ من الرمُوز والاستعارات والصور المتوهجة.
  وتحتفي تجربة علي الشلاه  بالرؤيا والصور الشعرية الجامحة، وبأسلوب متفرد  يشير إليه وحده؛ ففي شعره لا تسير اللغة على قدميها؛ إنها تطير.
 ولا تؤدي الكلمات عنده المعنى مباشرة، بل تلتف حوله كما يلتف الضوء حول نافذة قديمة. ولهذا يحتاج قارئه إلى أن يصغي إلى ما وراء الكلام ، إلى الموسيقى الخفية التي تسكن الجُملة الشعرية، وإلى الطبقات المتعددة للرمز والإشارة.


ومن أبرز ملامح شعره هذا التداخل بين الشخصي والجمعي. فحين يتحدث عن نفسه يبدو كأنه يتحدث عن العراق، وحين يكتب عن العراق يبدو كأنه يكتب عن إنسان العصر الحديث بشكلّ عام.
 لذلك تتجاور في قصائده المدن والأنبياء والعشاق والمنفيون والأساطير القديمة، ضمن نسيجٍ واحد لا يفصل بين الخاص والعام.
كما تتسم كتابته بكثافة الصورة، والاعتماد على التناصِّ مع التراث العربي ، والانفتاح على منجز الشعر العالمي. فقد تشرب الشَّلاه تجارب شعرية متعددة، واستفاد من الحداثة الشعرية العربية والعالمية من دون أن يفقدَ نبرته الخاصة أو هويته العراقية.
ولا يقتصر إسهامه الشعري  على إنتاج عدد من الدواوين المهمة مثل:  ليت المعري كان أعمى، والتوقيعات، وكتاب الشين، والعباءات والأضرحة، ولا باب للبيت ،البابلي وغيرها، بل يمتد إلى دوره الثقافي العربي في المنفى، من خلال تأسيسه وقيادته لمشروعات ثقافية وشعرية أسهمت في إبقاء القصيدة العربية حاضرة في الفضاء العالمي.
 كما تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، وهو ما عزز حضور تجربته خارج حدود اللغة العربية.
ويمكن القول إن علي الشَّلاه يحتل موقعًا متقدمًا بين شعراء الثمانينيات العراقيين؛ فبينما انشغل بعض أبناء جيله بالتجريب اللغوي الخالص أو بالتوثيق المباشر لمآسي الحرب، اختار هو طريقًا ثالثًا،يمكن تسميته  "طريق الرمز والرؤيا".
ولذلك استطاع أن يبني مشروعًا شعريًّا متماسكًا حافظ على خصوصيته عبر العقود، ونال اهتمامًا نقديًّا عربيًّا واسعًا.
لكن أكثر ما يميز تجربة الشَّلاه ربما هو الغربة.فالغربة في شعره ليست حادثة عابرة، بل جوهر من جواهر الكتابة.
 لقد عاش سنوات طويلة خارج العراق، متنقلًا بين المنافي، فصار الوطن عنده حالة شعرية أكثر منه مكانًا، ومن هنا تكررت في نصوصه مفردات الشوق والرحيل والبيت والعودة والحنين.
  تنبع قصائده من «فجيعة عالية» تجد امتدادها في المنفى القسري وما يخلقه من حنينٍ جارح إلى الوطن وتفاصيل الطفولة الأولى.
الغربة عنده لا تصنع الحزن فقط، بل تصنع المعرفة أيضًا؛ فقد جعله المنفى يرى العراق من مسافة، وحين نرى الأشياء من مسافة فإنها تكتسب وضوحًا جديدًا؛ لذلك تحولت بغداد وبابل والفرات في شعره إلى رموز كونية، تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح علامات على الفقد الإنساني الكبير.
وإذا أردنا أن نعقد مقارنة بين شعره المكتوب في العراق وشعره المكتوب في المنفى، فسنلاحظ أن قصائده المبكرة أكثر التصاقًا بالواقع العراقي المباشر، وأكثر احتفاءً بالتمرد الشبابي والبحث عن هوية شعرية جديدة.
 وكانت اللغة آنذاك مشحونة بطاقة الاكتشاف، وكان المكان حاضرًا بوصفه معطى يوميًّا ملموسًا، أما في المنفى فقد حدث تحول لافت؛ حيث صار المكان ذاكرةً بدل أن يكون حضورًا، وتحول الوطن من جغرافيا إلى أسطورة شخصية.
 وأصبحت القصيدة أكثر تأملًا، وانفتاحًا على الأسئلة الوجودية الكبرى، كما ازدادت كثافة الرموز واتسع الأفق الإنساني للنص، بحيث لم يعد العراق وحده موضوع القصيدة، بل الإنسان المنفِي في كل مكان.
في شعر العراق كان الشاعر يقفُ داخل البيت وينظر إلى النافذة.
وفي شعر المنفى صار يقف خارج البيت وينظر إلى الضوء الذي تركته النافذة في قلبه.
لهذا يمكن القول إن تجربة علي الشَّلاه تمثل رحلةً من المكان إلى الذاكرة، ومن الحدث إلى الرؤيا، ومن الوطن المرئي إلى الوطن المتخيل. وهي رحلة جعلت من قصيدته واحدة من التجارب العراقية والعربية الأكثر قدرة على تحويل الألم إلى جمال، والحنين إلى معرفة، والغربة إلى وطن لُغوي لا تغلقُ أبوابه الريح".


اخبار ذات الصلة

image image image
image
الرئيسية من نحن اتصل بنا الخدمات ارشیف الموسوعة

تنزيل التطبيق

image image

تابعونا على

الأشتراك في القائمة البريدية

Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group

image

اللائحة

الأقسام