فيان القبطان
10/09/2026
فيان القبطان* ثمة أصوات منغمة، في نسيج لا وعي الإنسان، مترسبة من مراحل جنينية في الرحم، و... الطفولة المبكرة والصبا واليفاعة والشباب.. ينتسى مصدرها ويظل الأثر عالقاً ذاكرة اللاوعي! لهذا حرق الورق، لن يمحو أثره في الذاكرة، بل أية رائحة منبعثة من حرق أو رماد، تستحضر معها أحداثاً مموسقة.. عشناها وأحالها العقل اللا واعي أنغاماً تظهر وتغيب بسهولة. الإنسان عدد ونغم في فلسفة فيثاغورس، فالعدد جوهر الوجود وأساس النظام في الكون الذي هو ليس مجرد مادة صماء، بل يتألف من تناغم وإنسجام شبيه بالموسيقى، فوصف العالم بأنه "عدد ونغم" أي كل شيء في الطبيعة يخضع لنسب رياضية دقيقة وإيقاع متوازن. الكلمات ليست رسالة بلغة نابعة من تاريخ الذاكرة، بل لغة صوتية مُتخيَّلة يعيشها بطريقة متميزة، فالفن تجميل للذاكرة الماضية والآنية والمقبلة، وكل ما نترقب إنبثاقه من المستقبل، يصلنا على أنه حاضر، مهيأ للتمثل طي الماضي، وتلك المراحل الزمنية الثلاث محاولة من الإنسان للحفاظ على الجمال وسط العنف وترهلات الزمن. الأنغام النابعة من فيزياء إحتكاكات الهواء بآلات تبعث رسائل الى السمع البشري، تغرس بذرة الموسيقى في روح الإنسان، ثم يأتي زمن يحاول فيه الآخرون إتلاف الأثر ومحو ما تركه صاحبه. وهنا تصير النوتة الموسيقية ذاكرة إنسانية، عند حرقها في محاولة لمحو الماضي، تبقى ساكنة في الذاكرة.. لن تمحي، وبهذا ينتصر الأثر على الزمن. يعني حتى لو أحترقت الورقة، المعنى لن يتحول رماداً؛ لهذا المقطوعة تحزننا بإيحاء ينفذ الى سويداء إحساسنا، برغم كونها ليست أغنية حزينة بالمعنى الصريح؛ ذلك لأنها تحرك ساكناً عميقاً في النفس، يعيدنا الى السطور الأولى من مطلع هذا المقال "ثمة أصوات منغمة، في نسيج لا وعي الإنسان، مترسبة من مراحل جنينية في الرحم، و... الطفولة المبكرة والصبا واليفاعة والشباب.. ينتسى مصدرها ويظل الأثر عالقاً ذاكرة اللاوعي". فالصوت الجماعي يتوحد مع النغم البطيء؛ لتتجلى أصوات غير مفهومة، تحث إحساساً قديماً، بإعطاء الدماغ شعورًا بالحنين إلى شيء لا نعرفه أصلًا، يشعر سامعها بوجود هيولى (حاملة نقائض) يعرفها عاجزاً عن تحديدها. وكأن الصوت النغمي سيال عام يشير الى كنز ولا يحدد مكانه بين الآثار، وهو بالتالي حنين الى مجهول.. مشاعر مرتبطة بزمن مطلق ينفلت عندما تعزف الموسيقى قائلة ما يعجز الوعي عن قوله. هناك موسيقى نسمعها بآذاننا، وأخرى نشعر بها في مكان أعمق من السمع.. لا تحتاج كلمات ولا قصة واضحة لتوقظ إحساساً قديمًا داخلنا. ومن هذه الأعمال تبرز Divano من مشروع ERA للمؤلف الفرنسي إريك ليفي.. نستمع إليها من دون حاجة لفهم معنى الأصوات، ومع ذلك نشعر برهبة، وحنين، وغموض، وحزن لا نعرف مصدره. وهنا تبدأ الحكاية النفسية؛ فالإنسان يستجيب للإيقاع والنبرة والتكرار والإرتفاع والإنخفاض، وهي عناصر قادرة على تحريك منظومة المشاعر والذاكرة قبل تدخل التفكير الواعي. ولهذا تعيدنا الموسيقى إلى مكان لم نزره منذ سنوات، أو تبعث فينا إحساسًا لا نتذكر الحدث المترتب عليه، وهذا سر جمال Divano؛ فهي تترك مساحة للاوعي كي يملأ الفراغ.. لا تعطي معنى واحدًا، بل تدع المرء أمام نفسه.. قد يشعر بالسلام؛ لسماعها، أو بالفقد، أو توقظ ذكريات قديمة، هي موسيقى واحدة، لكن تتضافر حولها تجارب مختلفة؛ لأن كل إنسان يستمع إليها من خلال تاريخه العاطفي الخاص. الموسيقى ذاكرة تحتفظ بالأحداث والأحاسيس المرتبطة بها، فلا يتذكر الفرد حدثاً بل شعور عاشه أثناء ذلك الحدث الغائب عنه اللحظة؛ فتلامس الموسيقى ذاكرة لا نستطيع الوصول إليها بالكلمات؟ ولهذا من يسمع موسيقى غامضة مثل Divano يبحث عن شيء لا يعرف إسمه، بما نسميه.. نحن إختصاصيو علم النفس: ما وراء الحنين، يتجسد بالشوق الى شخص أو مكان أو الى نسخة قديمة من أنفسنا.. طفولتنا مثلاً أو محلة سكناها وإنتقلنا منها أو صديق غائب... إنه نوع من شعور بالأمان، إلى مرحلة إنتهت، نتذكرها بتحفيز من الموسيقى، وكأنها حلم لم يكتمل، أو حتى إلى شيء لم نعشه أصلًا ولكن خيالنا صنع له مكانًا في داخلنا. وهنا تصبح الموسيقى مرآة؛ لا تخبرنا من نحن، لكنها تجعلنا نرى شيئًا من داخلنا، وبهذا تكمن عظمة Divano في ما نستحضره من مشاعر. *خبيرة نفسية
5/7/2026
كيف يكون الصبر؟ وكيف يكون الوداع؟
16/6/2026
شرعنة الإستلاب يكسر ظل العائلة
حفيف ملائكة على بوابة الإنعاش
17/5/2026
لو دامت لغيرك ما وصلتك
5/5/2026
ماتت بان لأن الدنيا لا تطيق الملائكة
27/4/2026
فقدان الذاكرة التراجعي
تنزيل التطبيق
تابعونا على
الأشتراك في القائمة البريدية
Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group