لماذا لم تصل التجارة بين إيران وتركيا إلى طاقتها الحقيقية؟

تقارير |   10:02 - 23/08/2026


موازين نيوز - متابعة 

بلغت قيمة التجارة بين إيران وتركيا نحو 5.6 مليارات دولار في عام 2025، إلا أن تركيبة المبادلات تظهر أن حصة إيران من هذه العلاقة لا تزال تقتصر بشكل رئيسي على تصدير المواد الخام ومدخلات الإنتاج.
ولم تتمكن التجارة بين إيران وتركيا خلال السنوات الأخيرة، رغم الروابط الجغرافية والاقتصادية بين البلدين، من الاقتراب من إمكاناتها الكامنة. ووفقًا لبيانات مركز التجارة الدولية، بلغت قيمة واردات تركيا من إيران نحو 2.5 مليار دولار في عام 2025، فيما بلغت صادراتها إلى إيران نحو 3.1 مليارات دولار. وبذلك، سجل الميزان التجاري فائضًا لصالح تركيا بنحو 600 مليون دولار. كما يظهر استعراض مسار التجارة خلال السنوات الماضية أن مبادلات البلدين تتأثر بشدة بالتطورات السياسية والقيود المالية الدولية.
صادرات تركيا إلى إيران.. الآلات في الصدارة
بحسب تقرير نشرته إدارة الدراسات الاقتصادية واستشراف المستقبل في غرفة تجارة طهران، يختلف هيكل الصادرات التركية إلى إيران بشكل ملحوظ عن سلة الصادرات الإيرانية. ففي عام 2025، استحوذت 10 مجموعات سلعية على أكثر من نصف صادرات تركيا إلى إيران، بنسبة بلغت 52.1%. وتصدرت الآلات والمعدات الميكانيكية القائمة، بقيمة بلغت نحو 383 مليون دولار، أي ما يعادل 12.5% من إجمالي الصادرات التركية إلى إيران. وجاءت بعدها المواد البلاستيكية بقيمة 178.7 مليون دولار، ثم الآلات والمعدات الكهربائية والإلكترونية بقيمة 174.7 مليون دولار.
وبلغ إجمالي صادرات المجموعات السلعية الرئيسية العشر من تركيا إلى إيران نحو 1.6 مليار دولار. وتظهر هذه التركيبة أن تركيا تصدر إلى إيران بشكل رئيسي السلع الصناعية والوسيطة والرأسمالية ذات القيمة المضافة الأعلى، والتي تلبي جزءًا من احتياجات الإنتاج والاستهلاك المحلي في إيران.
ماذا تصدر إيران إلى تركيا؟
في المقابل، تتركز صادرات إيران إلى تركيا بدرجة أكبر بكثير. فقد استحوذت 10 مجموعات سلعية على أكثر من 89% من قيمة واردات تركيا من إيران في عام 2025. وتصدر الألومنيوم ومصنوعاته القائمة بقيمة 525.5 مليون دولار وحصة بلغت 21.1%، تلاه النحاس ومصنوعاته بحصة 16.3%، ثم الفواكه والمكسرات بحصة 13.2%.
وتشمل القائمة بعد ذلك المواد البلاستيكية والزنك والحديد والصلب والمنتجات الزراعية. وبذلك، يقع جزء مهم من صادرات إيران إلى تركيا ضمن المراحل الأولية والمتوسطة من سلسلة الإنتاج، ويؤمن بشكل أساسي مدخلات ومواد خام تحتاج إليها الصناعات التركية. في المقابل، تظل حصة السلع ذات التكنولوجيا الأعلى والقيمة المضافة الأكبر محدودة ضمن هذه السلة.
ويكشف هذا الاختلاف في هيكل التجارة عن مسألة مهمة، وهي أن القضية في العلاقات التجارية بين إيران وتركيا لا تتعلق بحجم المبادلات فقط، بل بجودة هذه المبادلات أيضًا. فتركيا تستخدم السوق الإيرانية لتسويق جزء من منتجاتها الصناعية والرأسمالية، في حين تصدر إيران جزءًا كبيرًا من صادراتها إلى تركيا في صورة مواد خام ومدخلات إنتاج.
العقوبات.. نقطة حساسة في تجارة البلدين
يظهر المسار التاريخي للتجارة أيضًا أن هذه العلاقة شديدة التأثر بالتطورات الجيوسياسية. فقد ارتفعت واردات تركيا من إيران بشكل ملحوظ خلال فترة تنفيذ الاتفاق النووي، أي بين عامي 2016 و2018. لكن بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الثانوية، تراجعت صادرات إيران إلى تركيا، ووصلت في عام 2020 إلى أدنى مستوياتها خلال الفترة محل الدراسة. ووفقًا للتقرير، انخفض حجم التجارة الثنائية أيضًا إلى النصف تقريبًا خلال فترة قصيرة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.
وبالتالي، لا تمثل تركيا بالنسبة إلى إيران سوقًا للصادرات فحسب، بل تشكل أيضًا مسارًا محتملًا للارتباط بشبكات الإنتاج والتوزيع والتجارة الإقليمية. ولا تقتصر الإمكانات التصديرية الإيرانية إلى تركيا على السلع الحالية. إذ تحدد تقييمات القدرات التجارية منتجات مثل السمسم والعدس الجاف المقشور والقطن باعتبارها خيارات لتنويع الصادرات، كما جرى تحديد طلب محتمل كبير في السوق التركية على مخلفات وخردة الحديد والصلب.
تركيا.. سوق أم مركز إقليمي لإعادة التصدير؟
الأهم من ذلك أن بإمكان إيران إعادة تعريف علاقتها الاقتصادية مع تركيا. فتركيا، بفضل قربها من أوروبا، وبنيتها التحتية للنقل، وعضويتها في الاتحاد الجمركي الأوروبي، وشبكتها الواسعة من الشركات الدولية، تحولت إلى أحد المراكز الصناعية والتصديرية في المنطقة. ومن هذا المنظور، تتمثل الاستراتيجية المقترحة في التقرير في ألا يُنظر إلى تركيا باعتبارها «سوقًا» للسلع الإيرانية فحسب، بل باعتبارها منصة لتطوير الصادرات.
ووفقًا لمقترح تقرير غرفة تجارة طهران، يمكن للتعاون بين البلدين، في هذا النموذج، أن ينتقل من التصدير المباشر إلى الإنتاج المشترك والتصنيع والتعبئة والتوزيع وإعادة التصدير. ويمكن إنتاج جزء من المواد الخام أو السلع شبه المصنعة في إيران، على أن تتم معالجتها أو استكمال تصنيعها بمشاركة الشركات التركية، ثم تصدير المنتج عبر شبكات تركيا اللوجستية والتوزيعية إلى أسواق مثل أوروبا والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا. ومن شأن هذا النموذج زيادة القيمة المضافة للصادرات الإيرانية، والمساهمة أيضًا في نقل المعرفة الفنية ورفع معايير الإنتاج.
من الناحية السياسية والاقتصادية، يتطلب الانتقال من نموذج «التصدير والاستيراد» إلى نموذج «الإنتاج والتوزيع وإعادة التصدير» تفعيل دور القطاع الخاص وإعادة تصميم الآليات التجارية. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون مراجعة اتفاقية التجارة التفضيلية على أساس المزايا الحقيقية للسلع، وخفض الحواجز غير الجمركية، وتهيئة الظروف أمام الشراكة والاستثمار المشترك بين الشركات الإيرانية والتركية، من بين الأولويات.
وفي نهاية المطاف، إذا ارتقت تركيا في السياسة التجارية الإيرانية من مجرد وجهة تصديرية إلى «مركز إقليمي»، فستدخل الأسواق الثالثة أيضًا في المعادلة. ويمكن للتعاون مع الشركات التركية لدخول أسواق العراق وآسيا الوسطى والقوقاز ودول الخليج، بالتزامن مع تطوير سلاسل قيمة مشتركة، أن يتيح لإيران الاستفادة من الإمكانات الجيو-اقتصادية لتركيا بما يتجاوز نطاق التجارة الثنائية.


اخبار ذات الصلة

image image image
image
الرئيسية من نحن اتصل بنا الخدمات ارشیف الموسوعة

تنزيل التطبيق

image image

تابعونا على

الأشتراك في القائمة البريدية

Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group

image

اللائحة

الأقسام