آراء


إياد السماوي

ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكان الزيدي ؟

27/09/2026


لم يكن أمام الحكومة العراقية ، في قضية منع الطيران الإيراني من استخدام المطارات العراقية ، حرية اختيار ما تريد ، وإنما وجدت نفسها أمام قرار أمريكي واضح تترتب على مخالفته مخاطر حقيقية على العراق ومؤسساته الاقتصادية والمالية .. فالولايات المتحدة لم تكتفِ بفرض عقوبات على عدد من شركات الطيران الإيرانية ، بل حذرّت من أنّ الجهات التي تقدم لها خدمات الطيران ، من وقود وخدمات هبوط ومناولة وبيع تذاكر وغيرها ، يمكن أن تواجه عقوبات أمريكية ، بينها الحرمان من الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار .. ولهذا فإنّ مهاجمة الحكومة ورئيس الوزراء على موقفهما ، من دون النظر إلى طبيعة القرار الأمريكي وكلفة عدم الامتثال له ، تحتاج إلى إجابة عن سؤال واحد ، ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكان الزيدي ؟ هل كنتم ستفتحون المطارات العراقية أمام شركات الطيران الإيرانية المشمولة بالعقوبات ، ثم تتحملون تبعات العقوبات المحتملة على المؤسسات والشركات العراقية التي تقدم لها الخدمات ؟ هل كنتم ستدخلون العراق في مواجهة اقتصادية ومالية مع الولايات المتحدة ، من أجل إثبات موقف سياسي ؟ ومن كان سيتحمل بعد ذلك نتائج هذا القرار ؟ ..
هذه الأسئلة ليست تبريراً للعقوبات المفروضة على إيران ، وإنما هي أسئلة الدولة عندما تجد نفسها أمام واقع دولي لا تستطيع تجاهله .. العراق ليس دولة معزولة عن العالم ، ولا يستطيع أن يتعامل مع النظام المالي الدولي بمنطق التحدي السياسي .. وعندما تصبح المؤسسات العراقية نفسها معرضة للعقوبات بسبب تعاملها مع جهات مشمولة بالعقوبات الأمريكية ، فإنّ مسؤولية الحكومة الأولى تصبح حماية العراق من هذه المخاطر .. وهنا تحديداً ينبغي أن يُقرأ موقف رئيس الوزراء والحكومة العراقية .. الزيدي ليس أمام معركة يختار توقيتها أو أطرافها ، وإنما أمام أزمة دولية وإقليمية وجد العراق نفسه في وسطها .. ومن غير الإنصاف أن يُطلب من الحكومة أن تتحدى القرار الأمريكي ، ثم لا يقدم المنتقدون جواباً عن السؤال الأهم ، كيف سيُحمى العراق من النتائج التي قد تترتب على هذا التحدي ؟ العراق في الوقت نفسه لا يستطيع ، ولا ينبغي له ، أن يتعامل مع إيران بمنطق القطيعة ، إيران دولة جارة ، وبين البلدين علاقات اجتماعية واقتصادية ودينية عميقة ، وحركة السفر بينهما ترتبط بمصالح ملايين العراقيين والإيرانيين ، فضلاً عن المرضى والطلبة والزائرين .. ولهذا فإن توقف الرحلات لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة سياسية ، ولا إلى أزمة جديدة بين بغداد وطهران .. والحكومة العراقية تبدو مدركة لهذه الحقيقة ، ففي الوقت الذي التزمت فيه بالإجراءات المفروضة على الطيران الإيراني ، بدأت بغداد حواراً مباشراً مع الجانب الأمريكي للحصول على استثناءات لبعض المطارات العراقية ، بما يسمح باستئناف الرحلات لأغراض العلاج والدراسة والزيارات الدينية والمصالح المدنية ، وهذه نقطة مهمة جداً ..
فالحكومة لم تقل إنّ العلاقة مع إيران انتهت ، ولم تتعامل مع الملف باعتباره موقفاً عدائياً من الشعب الإيراني ، وإنما تحاول أن تجد مخرجاً يحمي العراق من العقوبات ، ويحافظ في الوقت نفسه على المصالح الإنسانية والمدنية المرتبطة بحركة الطيران بين البلدين .. وهذه هي السياسة التي تحتاجها الدولة ، الامتثال لما لا تستطيع بغداد تحمل تبعات مخالفته ، والتفاوض في الوقت نفسه لتقليص آثاره وحماية مصالح العراقيين ..
أما الانتقادات التي صدرت من بعض القادة والسياسيين الإيرانيين والعراقيين ، فهي حق سياسي لأصحابها ، لكن الموقف السياسي لا ينبغي أن يلغي الحسابات الواقعية التي تواجهها الدولة .. فالسياسة الخارجية ليست مجرد إعلان مواقف ، وإنما مسؤولية عن النتائج .. وإذا كان المطلوب من رئيس الوزراء أن يرفض القرار الأمريكي ، فعلى من يطالبه بذلك أن يجيب العراقيين بوضوح ، ماذا سيحدث بعد الرفض ؟ هل ستتحمل المطارات العراقية العقوبات ؟ هل ستتحمل الشركات العراقية التي تقدم خدماتها للطائرات الإيرانية العقوبات الأمريكية ؟
هل يستطيع العراق تحمل أي إجراءات تمس تعامله بالدولار ونظامه المالي ؟ومن سيدفع ثمن هذه المواجهة إذا وقعت ؟ هذه ليست أسئلة هامشية ، بل هي جوهر مسؤولية الحكومة .. 
لقد اعتدنا في العراق أن نطالب الحكومات باتخاذ مواقف كبيرة ، لكننا ننسى أحياناً أن المواقف الكبيرة لها أثمان ، وأن الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع مصالح شعبها باعتبارها ورقة للمزايدات السياسية .. السيادة لا تعني أن تتجاهل الدولة موازين القوى الدولية .. والسيادة لا تعني أن تعرض مصالح العراقيين للخطر حتى تثبت أنها صاحبة قرار .. السيادة تعني أن تعرف الدولة كيف تحمي مصالحها ، وكيف تتفاوض ، وكيف تتجنب العقوبات ، وكيف تحافظ على علاقاتها مع جيرانها ، وكيف تخرج من الأزمات بأقل كلفة ممكنة .. 
ومن هذه الزاوية فإنّ موقف الحكومة العراقية يحتاج إلى الإنصاف ، قد يختلف البعض مع طريقة إدارة الملف ، وقد يرى آخرون أن بغداد كان ينبغي أن تفاوض بصورة مختلفة أو أن تتحرك بصورة أسرع للحصول على الاستثناءات ، وهذه ملاحظات مشروعة يمكن مناقشتها ..لكن تحويل القرار إلى اتهام للحكومة بأنها اختارت الوقوف ضد إيران ، أو أنها تخلّت عن علاقاتها مع جارها ، هو اختزال لقضية أعقد بكثير من ذلك .. الحكومة العراقية لم تصنع الصراع الأمريكي الإيراني ، ولم تفرض العقوبات على شركات الطيران الإيرانية ، ولم تحدد قواعد النظام المالي الدولي ، لكنها مسؤولة عن حماية العراق من تداعيات هذا الصراع ، وهذه مسؤولية رئيس الوزراء أن يحمي العراق من العقوبات ، من دون أن يقطع علاقاته مع إيران .. أن يتفاوض مع واشنطن ، من دون أن يجعل العراق ساحة للمواجهة الأمريكية الإيرانية ، وأن يبحث عن الاستثناءات التي تحفظ للمرضى والطلبة والزائرين حقهم في السفر  ، وهذا ما أعلنت بغداد أنها تسعى إليه الآن ..
لذلك فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى منتقدي الحكومة ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكان الزيدي ؟ فهل كنتم ستجازفون بمصالح العراق ومؤسساته المالية من أجل رفض قرار أمريكي لا تملك بغداد وحدها القدرة على تغييره ؟ أم كنتم ستفعلون ما تفعله الدولة المسؤولة ، تحمي مصالح العراق أولاً ، وتفاوض للحصول على الاستثناءات ، وتحافظ على علاقاتها مع الجميع ؟ العراق لا يحتاج اليوم إلى أن يكون طرفاً في صراع معروفة نتائجه ، العراق يحتاج إلى حكومة تعرف متى تقول نعم ، ومتى تفاوض ، ومتى ترفض ، والأهم متى تحسب كلفة القرار قبل أن تتخذه .. وهذا هو الإنصاف الذي يستحقه موقف الحكومة ورئيس الوزراء في هذه القضية ..

image image image

آراء من نفس الكاتب


المزيد
image
الرئيسية من نحن اتصل بنا الخدمات ارشیف الموسوعة

تنزيل التطبيق

image image

تابعونا على

الأشتراك في القائمة البريدية

Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group

image

اللائحة

الأقسام