موازين نيوز - العالم
من قاعات مهرجان البندقية السينمائي إلى أروقة المؤسسة الإسرائيلية، يتسع الجدل حول فيلم "نازا"، الفائز بجائزة في المهرجان، والذي يتناول قتل المدنيين في غزة.
بعد تقرير للقناة 12 الإسرائيلية يكشف عن توصيات للجيش ووزارة الخارجية بخفض التفاعل مع الفيلم، لم يعد الجدل متعلقًا بعمل سينمائي فحسب، بل تحول إلى قضية إعلامية وسياسية تكشف حجم الحساسية الإسرائيلية تجاه ما قد يرويه الفيلم عن الحرب في غزة، وما يمكن أن يتركه من تداعيات تتجاوز شاشة السينما.وذكرت القناة الإسرائيلية أن أعضاء في مكتب رئيس الوزراء يؤججون الجدل الداخلي حول الفيلم لاعتبارات سياسية وكجزء من حملة انتخابية، وفي المحصلة فإن التوصية المهنية هي تهدئة النقاش حول الفيلم لاعتبارات قد تتسبب بالضرر لإسرائيل في وسائل الإعلام.
يأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه تصريحات مسؤولين إسرائيليين ضد صُنّاع الفيلم، وسط اتهامات للدولة بأنها عالقة بين ما يخدم صورتها أمام العالم وما يخدم الحسابات السياسية الداخلية.توصية الجيش والخارجية وبحسب تقرير القناة 12 الإسرائيلية، أوصت جهات مهنية في الجيش ووزارة الخارجية بعدم مهاجمة صُنّاع الفيلم وخفض مستوى التغطية الإعلامية حوله، انطلاقًا من تقدير مفاده أن الفيلم لم يحظَ حتى الآن باهتمام عالمي واسع، ولم يؤدِ إلى موجة احتجاجات أو استفسارات رسمية من حكومات أجنبية.وترى هذه الجهات أن الردود الهجومية قد تنقل النقاش من مضمون الفيلم وما يطرحه إلى اتهام إسرائيل بمحاولة إسكات منتقديها وتقييد حرية التعبير، ولذلك دعت إلى عدم عقد إحاطات إعلامية استباقية والتعامل مع الملف بصورة منظمة ومدروسة بدلًا من الردود الانفعالية.لكن هذه المقاربة تصطدم بمسار سياسي مختلف، إذ يواصل وزراء ومسؤولون إسرائيليون التصعيد ضد الفيلم وصُنّاعه، وصولًا إلى طرح سحب الجنسية والتحقيق في مصادر المعلومات التي استخدمت فيه.تحذير من تكثيف الهجوموتضع التوصية الفيلم أمام مفارقة واضحة، فالمؤسسة العسكرية تنظر إلى القضية من زاوية ترى أن أفضل طريقة للتعامل معه قد تكون تقليص الاهتمام به، بينما تتحرك شخصيات سياسية وأمنية في الاتجاه المعاكس.
وتستند التوصية إلى تقدير أن الفيلم لم يتحول إلى قضية دولية واسعة، وأن تكثيف الهجوم عليه قد يمنحه مساحة أكبر مما حصل عليها أصلًا، كما قد يسمح لمنتقدي إسرائيل بتحويل النقاش إلى قضية حرية التعبير.لكن هذه التوصية لا تعني أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قبلت مضمون الفيلم، بل تعكس، طريقة مختلفة في تقدير كيفية إدارة الضرر الإعلامي والسياسي الناتج عنه.
فيلم يخرج من الشاشة وتعني عبارة "نازا" اختصاراً إسرائيلياً لعبارة "الضرر الجانبي"، وهو فيلم وثائقي للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، اعتمد على شهادات 24 جنديًا ومسؤولًا في الجيش والاستخبارات خدموا خلال الحرب في غزة.ويطرح الفيلم أحداثا تتعلق بآليات اختيار الأهداف العسكرية واستخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف، وحجم الخسائر المدنية المتوقعة قبل تنفيذ بعض الضربات، ومن بين أكثر الأمور إثارة للجدل حديث عن ضربة كان متوقعًا أن تؤدي إلى اغتيال نحو 500 مدني.
وينفي الجيش الإسرائيلي هذه الرواية، ويؤكد أن قرارات الاستهداف لا تتخذها أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة، وأن القرار النهائي يعود إلى البشر، كما رفض بشكل قاطع الحديث المتعلق بالضربة التي كان متوقعًا أن تقتل 500 مدني.نتنياهو: الفيلم الوثائقي "نازا" يمثل "تحريضا صادما"وحصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي، بعد عرض أثار اهتمامًا دوليًا، فيما قال صُنّاعه إنهم تحققوا من شهادات مصادرهم، حيث يضم الفيلم شهادات لمصادر إسرائيلية طلبت عدم الكشف عن هويتها.ولم يعد الخلاف متعلقًا بفيلم وثائقي، بل تحول إلى نقاش حول الحرب نفسها، وطريقة اتخاذ قرارات الاستهداف، وحدود النقد الداخلي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.نتنياهو يرفع سقف المواجهة ويحاول الجيش الإسرائيلي التعامل مع الفيلم عبر رفض ما يصفه بادعاءات كاذبة أو مضللة، وفي الوقت نفسه يحاول تقديم تفسير مفصل لآليات اتخاذ قرارات الاستهداف.في المقابل، اتخذ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مسارًا أكثر صدامية، وهاجم الفيلم وصُنّاعه، فيما اتجه النقاش السياسي إلى إجراءات قد تطال الوضع القانوني للمخرجين.وكان وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار قد دعا إلى التحقيق في كيفية حصول صُنّاع الفيلم على المواد التي استندوا إليها، وما إذا كان الحصول على معلومات سرية يمكن أن يشكل مخالفة قانونية، قبل أن ينتقل الخطاب السياسي إلى الحديث عن سحب الجنسية.أما نتنياهو، فهاجم الفيلم ووصفه بأنه تحريض، وهدد بإجراءات تشريعية تتعلق بسحب الجنسية وفرض عقوبات مالية على من يصفهم بأنهم يشوهون صورة الجنود أو الدولة.
ويأتي ذلك في وقت تحولت فيه قضية الفيلم إلى جزء من نقاش سياسي أوسع داخل إسرائيل، إذ لم يعد الخلاف مقتصرًا على مدى دقة الأحداث الواردة فيه، وإنما امتد إلى آلية تعامل الحكومة مع إنتاج إسرائيلي ينتقد أداء الجيش خلال الحرب.حسابات الداخل والخارجويكشف الفيلم عن صراع بين مسارين داخل إسرائيل، الأول يرى القضية من زاوية العلاقات الدولية وإدارة الصورة الإعلامية، وآخر يتعامل معها باعتبارها قضية سياسية داخلية مرتبطة بالحرب والجيش والانتخابات.وفي الداخل الإسرائيلي، لم يتوقف الجدل عند الحكومة والجيش، بل امتد إلى الوسط الثقافي، حيث دافع أكثر من 700 عامل في قطاع السينما الإسرائيلية عن صُنّاع الفيلم وحقهم في التعبير، في حين واجه المخرجان انتقادات وتهديدات من جهات يمينية.ويأتي ذلك بينما لم يُعرض الفيلم بعد على نطاق واسع داخل إسرائيل، رغم حصوله على جائزة في البندقية واستمرار الجدل حوله، وقد دعا صناع الفيلم إلى مشاهدة الفيلم قبل الحكم عليه، مؤكدين أن أهمية العمل بالنسبة إليهم تكمن في شهادات الجنود والضباط الذين يظهرون فيه.