ثقافة و علوم | 01:52 - 02/09/2026
فيان القبطان* من أكثر الأفكار إثارةً في التحليل النفسي تلك التي طرحها سيغموند فرويد حول وجود قوتين متعارضتين في أعماق الإنسان: إيروس (Eros) بوصفه قوة الحياة والحب والبناء، وثاناتوس (Thanatos) بوصفه نزعة الموت والهدم والسكون. لم ينظر فرويد إلى الإنسان على أنه كائن تحكمه الرغبة الواعية وحدها، بل رأى أن وراء سلوكياتنا دوافع خفية لا ندركها؛ فالإنسان قد يريد شيئًا، وفي الوقت نفسه يحمل داخله قوة تدفعه في الاتجاه المعاكس. إيروس هو القوة التي تدفع الإنسان نحو الحب، والارتباط، والإبداع، والإستمرار، وحماية الذات، وبناء العلاقات؛ فعندما نحب، نحلم بمستقبل أفضل، ونبدأ مشروعًا، وعندما نتمسك بشخص أو فكرة، أو نحاول خلق معنى لحياتنا؛ يمكن النظر إلى هذه النزعة بإعتبارها تعبيرًا عن قوة الحياة؛ فإيروس يقول للإنسان: عش… اقترب… حب… ابنِ… وإمنح وجودك معنى. لهذا الحب، في المنظور النفسي، ليس مجرد شعور عابر؛ بل قوة تدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته وبناء شيء يتخطاه. أما ثاناتوس، الرغبة في السكون، فطرحه فرويد لاحقًا كفكرة مقابلة لإيروس، وهو مفهوم معقد لا يعني ببساطة أن الإنسان «يريد أن يموت». ربطه فرويد بالنزوع نحو العودة إلى حالة من السكون وتقليل التوتر، ومظاهر العدوان والتدمير والتكرار القهري للسلوكيات المؤذية؛ قد يعرف أنه يسير في طريق يؤذيه، ومع ذلك يكرر الطريق نفسه، وأن علاقة معينة تستنزفه، لكنه يعود إليها، ويعرف أن عليه التغيير، لكنه يتمسك بالماضي. هذه التناقضات لا تختزل في ثاناتوس، لأن السلوك الإنساني أعقد بكثير من تفسير واحد، لكنها تساعدنا على التفكير في القوى المتصارعة داخل النفس. فالإنسان لا يتعلق دائمًا بما هو جيد له، وإنما قد يتعلق بما هو مألوف له، والمألوف قد يكون مؤلمًا، لكنه أحيانًا أقل رعبًا من المجهول؛ لذا الرعب الحقيقي ليس الخوف من الموت، بل الخوف من الحياة.» هذه العبارة يمكن قراءتها أدبيًا وفلسفيًا، لكنها ليست اقتباسًا حرفيًا معروفًا عن فرويد، ولا ينبغي نسبتها إليه على أنها من نصوصه. فالإنسان قد لا يخاف من الموت بقدر ما يخاف أحيانًا من ثقل الحياة نفسها؛ من التغيير، والمواجهة، والإختيار، وتحمل نتائج القرارات؛ لأن الحياة تعني أن نقرر.. أن نخسر ونبدأ من جديد، ونحب برغم إحتمال الفقد، ونغادر أماكن إعتدناها، و... أن نواجه أنفسنا بدل الهروب منها. لكن الإنسان ليس مجرد ساحة صراع بين قوتين؛ فهو يمتلك الوعي والقدرة على التأمل والاختيار، وهنا تكمن قيمة علم النفس الحقيقي: ليس في أن نضع اسمًا لكل شيء نشعر به، وإنما في أن نفهم لماذا نفعل ما نفعل، فحين نفهم خوفنا، لا يعود الخوف سيدنا، وحين نفهم تعلقنا، نستطيع أن نسأل: هل هذا الحب يبني حياتي أم يستنزفها؟ وحين نفهم أنماطنا المتكررة، تبدأ إمكانية التغيير. جدلية إيروس وثاناتوس تبقى واحدة من ثنائيات فرويد المفتوحة على التأمل من دون حسم؛ لأنها تضع الإنسان أمام سؤال عميق: هل نحن مدفوعون فقط بالرغبة في الحياة، أم أن داخلنا أيضًا نزعات نحو الهدم والسكون؟ الحكمة لا تكمن في أن ينتصر أحدهما على الآخر، بل في أن يصبح الإنسان واعيًا بالصراع الموجود داخله، ممتلكاً القدرة على إختيار الطريق الذي يمنحه معنى، لا الطريق الذي يطفئه. *باحثة في علم النفس
نوال خان: سأغادر اللون السبعيني بأغانٍ حديثة
نوارس سعد العاني تحلق في الصين
وداع الروح
المال العام في أغنية
أنتظرك حلم
سناء وتوت في ملكة
تنزيل التطبيق
تابعونا على
الأشتراك في القائمة البريدية
Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group