زيارة مرتقبة لماكرون إلى دمشق.. رحلة تحفها مطامح النفوذ

العالم |   11:32 - 05/07/2026


موازين نيوز - العالم 

يحمل إعلان الرئاسة السورية اعتزام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة دمشق، في وقت لاحق لم يحدد، مضامين سياسية واقتصادية وإستراتيجية في بلد مثقل بجراح ما بعد الحرب، وفي منطقة تموج بتفاعلات سياسية وأمنية شديدة تجعل الاقتراب منها، أو الاحتكاك بها، تجربة محفوفة بالأخطار.
الوزن السياسي الدولي لفرنسا يُكسي زيارة ماكرون أهمية كبيرة بوصفه أول زعيم دولة في أوروبا الغربية يحط رحاله في دمشق، ويثير أسئلة عن دلالة التوقيت، وعن الأشياء التي تبحث عنها باريس في الجعبة السورية.
كما أن طبيعة الوفد المرافق للرئيس الفرنسي، الذي يضم مستثمرين ورؤساء شركات، وحيثيات الدور الفرنسي في تطبيع العلاقة بين نظام الحكم الجديد في دمشق والغرب، تنبئان عن زيارة يؤطرها زوجان من الأهداف، إذ يرى ماكرون ابتداءً أنه جدير بانتزاع قطعة وافرة من "كعكة" الاستثمارات التي يتوقع المراقبون أن تكون واعدة في هذا البلد العربي الذي يسعى حثيثا لإعادة بناء نفسه على أسس اقتصادية جديدة هي إلى السوق الحر ومتطلباته أقرب.

موطئ قدم إستراتيجي
كما يبحث ساكن الإليزيه في ربوع دمشق عن موطئ قدم إستراتيجي في عقدة جغرافية شديدة الأهمية شرقي المتوسط، استكمالا لطموح باريس، الذي لا تخطئه عين مراقب، في إعادة بعث المجد الفرنسي الخارجي، مستفيدا من الزخم النفسي الذي يوفره الشعور الفرنسي العام بأن باريس كانت من أوائل من قطع علاقاته بالنظام المخلوع، وأغلقت سفارتها، احتجاجا على حملة القمع الممنهجة التي مارسها نظام بشار الأسد المخلوع.
ووفق مراقبين، يُتوقع أن يخيم على جلسات الحوار بين ماكرون ونظيره السوري أحمد الشرع موضوعات تعزيز العلاقات السياسية بين الدولتين، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وأيضا بحث المستجدات في المنطقة والعالم، فضلا عن دعم جهود إعادة إعمار سوريا التي أُلقيت بنيتها التحتية أرضا، وانحنى كاهلها تحت وطأة قصف جوي وبري مارسته القوات المسلحة والأذرع العسكرية التابعة للنظام المخلوع على مدار نحو 14 عاما.
إعادة تموضع سوري
وتأتي زيارة ماكرون إلى دمشق في وقت تعيد فيه العاصمة السورية تموضعها السياسي بالاتجاه غربا، بعد عقود طويلة من ارتمائها في أحضان المعسكر الاشتراكي الذي شكّله وتزعمه الاتحاد السوفياتي السابق، وتزامنا مع محاولة الرئيس الشرع إعادة بناء الدولة بما يمكّنها من استعادة دورها المهم في الإقليم.

ولا تمكن قراءة حضور ماكرون المرتقب إلى دمشق بمعزل عن الانفتاح الغربي على القيادة السورية الجديدة، الذي تمثل في صورة رفع عقوبات كانت تقض مضجع الاقتصادي السوري، وزيارات الرئيس الشرع إلى عدد من عواصم الغرب بينها باريس ولندن، وكذلك ذهابه إلى نيويورك العام الماضي للمشاركة في الدورة الـ80 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي الزيارة التي اعتُبرت، على نطاق دولي واسع، حدثا استثنائيا، ومؤشرا على تحول كبير وعميق في مسار سوريا.

لكن "كعكة" الاستثمارات، أو الحصة التي تبحث باريس عنها في هذه الزيارة، ربما لا تكون لقمة سائغة، إذ قد تصطدم بمزاج سوري غير مثالي بعد "سلسلة أخطاء" ارتكبها الفرنسيون في مقاربة المشكلة الكردية تمثلت في دعم الحكم الذاتي الذي سعت إليه نخب كردية سورية من خلال ما تعرف بـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مستفيدين من انشغال قوى الثورة في مقارعة نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين في البلاد.
كما قد يعكر صفو الزيارة استقبال باريس، الشهر الماضي، مظلوم عبدي القائد العام لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، الأمر الذي تراه دمشق محاولة فرنسية للتدخل في الشأن الداخلي السوري باستقبالها شخصيات سورية لا تحمل منصبا رسميا.

معطيات تاريخية
إذا ما تمت زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا، ولم يحل دونها حائل، ووضع ماكرون أقدامه على ثرى دمشق بصفته أول رئيس فرنسي يزورها منذ نيكولا ساركوزي عام 2009، فإنه سيجد نفسه في مواجهة تراث مزدحم بالمعطيات التاريخية والراهنة على السواء، يشكل بعضها تحديا، في مقدمها حساسية التجربة التاريخية بين باريس التي تبحث عن توسيع نفوذها الخارجي من خلال إدخال أكبر عدد ممكن من البلدان التي احتلتها في القرنين الـ19 والـ20 ضمن "العباءة" الفرانكفونية، وكذلك النظام السياسي الجديد في سوريا الذي أوصلته إلى السلطة ثورة تنبذ التبعية، وتعلي من شأن الاستقلالية.
لكن مهما تمخضت عنه الزيارة المرتقبة، وبغض النظر عن طبيعة وحجم المكاسب الفرنسية من ورائها، فإن القيادة السورية الجديدة، ستكتسب بهذه المباحثات زخما سياسيا جديدا، إذ سيكون ماكرون رابع زعيم دولة أو هيئة إقليمية تستقبله سوريا بعد أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي وصل دمشق أواخر العام الماضي، وتبعته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في يناير/كانون الثاني الفائت، ثم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أبريل/نيسان العام الجاري.
قدوم الرئيس الفرنسي إلى دمشق، بما تؤديه باريس اليوم من دور سياسي في المشهد الدولي، وبالتحديد على صعيد القارة الأوروبية، سيمكن سوريا من التوغل أعمق في خريطة التطبيع السياسي مع الغرب بما يعينها على مواجهة أعباء اقتصادية وأمنية لا يُتوقع أن تترك لدمشق مُتنفس الصعداء قبل أن تستكمل شروط بناء الدولة الجديدة، ومن ذلك استقرار سياسي في أفق إقليمي ودولي هادئ ومستقر.


اخبار ذات الصلة

image image image
image
الرئيسية من نحن اتصل بنا الخدمات ارشیف الموسوعة

تنزيل التطبيق

image image

تابعونا على

الأشتراك في القائمة البريدية

Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group

image

اللائحة

الأقسام