عاجل
taatgfagafg

آراء


د. عبد الخالق حسين

شيطنة العدو لتبرير إبادته

02/05/2018

الملاحظ من أدبيات وفتاوى شيوخ التنظيمات الإرهابية، القاعدة وداعش وغيرهما، أنهم يحاولون إبراز خصومهم بأسوأ ما يمكن، والحط من قدرهم إلى ما دون مستوى البشر، وشيطنتهم (Demonizing them)، ونعتهم بالشر المطلق، وأنهم أعداء الله والبشرية، وحتى دون مستوى الحيوان، ولذلك فهم لا يستحقون الحياة، وإبادتهم واجبة للتقرب إلى الله، وكسب مرضاته، وقال الشيخ حسن الترابي مرة في هذا الخصوص: "وهل هناك أكثر قربى إلى الله من إرهاب أعدائه".

هذا التكتيك الإعلامي لمسخ العدو، الذي اتبعه الإرهاب السلفي الوهابي، يمارسه الآن الإعلام الغربي ضد الرئيس السوري بشار الأسد، وحلفائه، روسيا وإيران وحزب الله اللبناني، لتبرير ضرباتهم الصاروخية وإسقاط الحكومة السورية.

فالإدارة الأمريكية فبركت تهمة استخدام السلاح الكيمياوي ضد حكومة بشار الأسد عندما تأكد لهم اقتراب ساعة النصر على الإرهاب، لكي يجهضوا النصر(1). فالمتتبع لتغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخطابه عند إعلانه الهجوم الصاروخي فجر يوم 14 نيسان/أبريل الجاري، يراه يصف الرئيس الرئيس السوري بشار الأسد بالغول، وبأنه حيوان وحشي همجي قاتل الأبرياء، وخاصة الأطفال والنساء، ويردد الإعلام الغربي هذه التغريدات إضافة إلى مشاهد بالصوت والصورة صب المياه على رؤوس الأطفال لإزالة الغازات السامة المزعومة منهم، في فبركة تم فيها استخدام آخر التقنية المعلوماتية المتطورة إلى أرقى مستوى ليحدثوا أكبر تأثير في نفوس المشاهدين، وليبرروا هجومهم الصاروخي على سوريا وتدمير ما تبقى منها. كما وجه ترامب خطابه إلى روسيا وإيران قائلاً لهم أي نظام همجي هذا الذي تدعمونه؟ و قال أيضاً: "حشدتْ بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية قواها الخيرة ضد البربرية والوحشية". فهو هنا يصف قواه بقوى الخير وقوى خصومه بقوى الشر والبربرية والوحشية. وهذا هو الأسلوب المتبع لتجريد العدو من أية صفة بشرية، وإبرازه بالهمجي ضد الحضارة والإنسانية لتبرير تصفيته وإبادته.

ولكن لو ألقينا نظرة حيادية على ما يجري في المنطقة، لرأينا أن أقرب حلفاء أمريكا وبريطانيا وفرنسا مثل السعودية والإمارات ودولة قطر، هم الذين يقومون، ولعامين متتاليين بأبشع هجمة همجية بربرية على الشعب اليمني المغلوب على أمره، وتسببوا في قتل عشرات الألوف من الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير شبه كامل لمؤسساته الأقتصادية والخدمية، وتخريب المدن والقرى وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها في قصف جوي مستمر وبالأسلحة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وبمباركة من حكومات هذه الدول. فإذا كان الرئيس الأمريكي وحلفاؤه يتألمون ويذرفون دموع التماسيح على أطفال دوما في سوريا، فلماذا يشاركون ويباركون في قتل أطفال اليمن؟ ولماذا، على الأقل، لا ينصحون حلفاءهم بوقف هذه المجازر ضد الشعب اليمني البائس؟ 

كذلك يسكتون عن جرائم نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية في ارتكابه المجازر ضد الشعب الفلسطيني الأعزل عندما يقوم هذا الشعب بمجرد تظاهرة سلمية ضد احتلال بلاده؟ ومن هنا نرى مدى النفاق والكذب ودموع التماسيح على أطفال دوما السورية. 

استنتاجات من الهجمة الصاروخية

كشف لنا العدوان الثلاثي (الأمريكي-البريطاني-الفرنسي) الأخير على سوريا حقائق عدة، و كما يلي:

أولاً، أن رؤساء الحكومات الغربية، وخاصة الكبرى منها، هم ليسوا من يحكمون ويتخذون القرارات، بل هناك ما يسمى بالتجمع السري(secret society)، هو الذي يحكم من وراء الكواليس. فقبل فبركة تهمة السلاح الكيمياوي ضد سوريا، صرح ترامب أنه يريد سحب القوات الأمريكية من سوريا، وأعطى إشارات أنه يخطط للانسحاب من منطقة الشرق الأوسط المضطربة ، لأنها كلفت أمريكا ترليونات الدولارات خلال العقود الماضية ودون أية فائدة لأمريكا. فهذا الموقف يرفضه صناع القرار في التجمع السري، وخاصة اللوبي الصهيوني المناصر لإسرائيل، لذلك ما كان منهم إلا وفبركوا تهمة السلاح الكيمياوي في دوما، وأبرزوا على شاشات التلفزة مناظر الأطفال "المصابين" بالغازات السامة المزعومة، وبذلك أرغموا ترامب على التراجع عن قراره في الانسحاب من سوريا واتخاذ قرار الهجوم الصاروخي عليها.

ثانياً، وقد سبقت هذه المسرحية زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى بريطانيا وأمريكا، والتي تم خلالها عقد عدة صفقات ضخمة لشراء الأسلحة تقدر قيمتها بمئات المليارات الدولارات(2)، وأكَّد لهم دفع تكاليف الصواريخ التي سيقصفون بها الشعب السوري وباسم حمايته من بشار "الحيوان الوحشي" على حد تعبير ترامب.

ثالثاً، والجدير بالذكر أن الوسائل الإعلامية الغربية رغم ما تتمتع به من حرية التعبير، والنقد والاستقلالية، إلا إنها في حالات معيَّنة مثل هذه، تلتزم بسياسة حكوماتها حتى ولو كانت باطلة، وعلى سبيل المثال، عندما قام صدام حسين باستعمال الغاز السام في حلبجة، تبنى الاعلام الغربي جانب العراق ووضع المسؤلية على ايران، لأن صدام في ذلك الوقت كان صديق الغرب الحميم، وينفذ سياساتهم ضد إيران الإسلامية. ولكن لما قام صدام بغزو الكويت، وصار عدواً للغرب،عندها قامت الحكومات الغربية ووسائل إعلامها بقول الحقيقة وتوجيه التهمة إلى صدام حسين في تسميم حلبجة في كردستان وأهوار الجنوب. ولم يكتف الإعلام الغربي بهذه الحقائق ضد صدام، بل وفبركوا ضده الأكاذيب أيضاً، مثلاً تهمة قيام الجنود العراقيين بسرقة حاضنات الأطفال الخدَّج من مستشفيات الكويت، وجاؤوا بفتاة أدعوا أنها كانت ممرضة كويتية في إحدى تلك المستشفيات، وهي تبكي على الأطفال، وتبين فيما بعد أنها كانت ابنة الشيخ سعد الصباح، وزير خارجية الكويت آنذاك، وكانت التهمة فبركة اعترف بها الاعلام الغربي، ولكن بعد أن نفذت التهمة غرضها.

رابعاً، كذلك نعرف العلاقة الحميمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولكن لما حصلت عملية تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في بريطانيا، بغاز الأعصاب، واتهام روسيا بها، وتصعيد الحرب الدبلوماسية ضد روسيا وبوتين لتشويه صورتهما في العالم، قامت أمريكا وبقرار من ترامب، بطرد نحو مائة دبلوماسي روسي من أمريكا. وعلى الأغلب أُرغم ترامب على أخذ هذا القرار ضد رغبته، مما يدل على أن أمريكا يحكمها ناس وراء الكواليس، وحسب ما تقتضيه مصلحة المؤسسات الحاكمة في الغرب. والجدير بالذكر أن كل هذه الاجراءات تصب في مصلحة إسرائيل.

خامساً، نلاحظ أن أمريكا التي سارعت في الهجوم الصاروخي ولم تنتظر إعلان نتائج إجراء تقصي حقيقة السلاح الكيمياوي، اقترحت بعد القصف على مجلس الأمن الدولي تشكيل لجنة من خبراء "مستقلين" لتقصي الحقائق في سوريا. وبالتأكيد، الغرض من تشكيل هذه اللجنة بعد القصف هو لمعرفة نتائج القصف الصاروخي الأخير، ومدى جدواه. والسؤال هنا، ماذا سيكون موقف أمريكا لو خرجت اللجنة بنتيجة تنفي فيها استخدام السلاح الكيمياوي من قبل القوات السورية؟ والملاحظ أيضاً أنهم من الآن راحوا يقولون أن القصف لم يدمر كل مخازن السلاح الكيمياوي، وذلك ليمهدوا للاتهامات القادمة كلما اقترب النظام السوري من النصر على الإرهاب، فهم لا يريدون هزيمة الإرهاب وخلاص الشعب السوري منه، بل ليستمر إلى أن يحقق الدمار الكامل لسوريا وإرغامها على المصالحة مع إسرائيل.

سادسا، رغم ما يثيره الإعلام الغربي، وخاصة الأمريكي من انتقادات لاذعة، وهجوم بالغ على الرئيس الأمريكي ترامب، وإبرازه بالمجنون والمختل عقلياً، والإباحي والمهووس جنسياً، وأنه فاز بالانتخابات الرئاسية بمساعدة بوتين...الخ، وآخر ما قيل في هذا الخصوص، تصريحات جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي(FBI) السابق، لمحطة (ABC) الأمريكية، (أن ترامب غير لائق اخلاقياً ليكون رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، ويعامل النساء كما لو كن "قطعا من اللحم.")(3)، إلا إن جميع وسائل الإعلامية الغربية هذه، وحكوماتها وقفت مع ترامب وقفة رجل واحد وبصوت واحد في هجومه الصاروخي على سوريا.

ربما سيسارع البعض باتهامنا بأننا نؤمن بنظرية المؤامرة، ولكن كل ما ذكرناه أعلاه هو الحقيقة الواضحة للعيان، وليس له أي تفسير آخر.

image image image

آراء من نفس الكاتب


المزيد
image
الرئيسية من نحن الخدمات ارشیف الموسوعة

تنزيل التطبيق

image image

تابعونا على

الأشتراك في القائمة البريدية

Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group

image

اللائحة

الأقسام