آراء


New Title

لماذا يتكلم العراق لغة كربلاء؟

29/06/2026

الزهراء الحداد
توقفت حركة السير في أحد شوارع بغداد.. لم يكن حادثاً مرورياً، ولا موكباً رسمياً، بل قافلة من الجمال والخيول تعيد تمثيل واقعة مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرناً.
عشرات الشبان يجسدون أحداث الطف بكل ما فيها من ألم، لا بوصفهم ممثلين محترفين، بل أبناء حملوا على عاتقهم إحياء ذكرى أهل البيت.. عليهم السلام، في واحدة من أفجع محطات التاريخ الإسلامي.
في تلك اللحظة، سألني زوجي سؤالاً لم أكن أملك له جواباً كاملاً:
لماذا يفعل العراقيون هذا كل عام؟ أجبته سريعاً بأن هذه الطقوس هي الطريقة التي يعبر بها العراقي عن حزن تربى عليه منذ نعومة أظفاره، لكن جوابي، على الرغم من بساطته، لم يقنعنِ أنا.
ومنذ تلك اللحظة ظل سؤال آخر يرافقني: لماذا يتكلم العراق لغة كربلاء؟
الرثاء ليس غريباً عن هذه الأرض؛ فأقدم النصوص التي وصلتنا من حضارات وادي الرافدين لم تكن كلها أناشيد إنتصار.. بينها مراثٍ لمدن سقطت وشعوب فقدت أبناءها؛ فمنذ آلاف السنين، والعراق يبني، ثم يفقد، ثم يرثي، ثم يبدأ من جديد، وكأن الذاكرة، أكثر من الحجر، وهي الوسيلة التي حافظ بها العراقي على بقائه.
ولهذا لم يجد العراقي في كربلاء مجرد واقعة تاريخية، بل لغةً يفهم بها أوجاعه؛ إذ لم تقدم له كربلاء الحزن فحسب، بل معنى الحزن ومعنى أن تبقى الكرامة أغلى من الحياة، والصبر موقفاً، وأن يتحول الفقد إلى رسالة لا إلى نهاية.
ولذلك.. لا أرى العراقي عاشقاً للحزن كما يصفه بعضهم، ولا الحزن جزءاً من فطرته، لكنه عبر آلاف السنين، يبحث عن لغة تفسر أوجاعه وتمنحها معنى وجده في كربلاء التي تشكل أكثر من فاجعة؛ وجد فيها مفردات يقرأ بها الظلم، ويفهم بها الصبر، ويواجه بها الفقد.
ولم يتوقف العراق عن إنتاج مآسيه؛ فالأم التي ودعت إبنها في سبايكر، كثيراً ما إستحضرت القاسم بن الحسن.. عليهما السلام، شاباً خرج إلى الموت قبل أن يكتمل عرسه، كما خرج آلاف الشباب إلى مصير لم يختاروه، والأخت التي وقفت على قبر أخيها، إستعادت القيم المستوحاة من بطلة كربلاء.. السيدة زينب بنت علي.. عليهما السلام، لا لأن التاريخ يعيد نفسه، بل لأن كربلاء منحت العراقي اللغة التي يعبر بها عن الفقد حين تعجز الكلمات.
ربما لا يستطيع التاريخ أن يجيب لماذا اختار العراق كربلاء، أو لماذا إختارت كربلاء العراق، لكن ما نعرفه أن العراقي، كلما ولد وجع جديد، عاد يتكلم اللغة نفسها... لغة كربلاء.

image image image

آراء من نفس الكاتب


المزيد
image
الرئيسية من نحن اتصل بنا الخدمات ارشیف الموسوعة

تنزيل التطبيق

image image

تابعونا على

الأشتراك في القائمة البريدية

Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group

image

اللائحة

الأقسام