آراء


عبد الحميد الصائح

مجالس المحافظات

18/06/2020

حين دعا رئيس مجلس النواب السيد محمد الحلبوسي الى جلسة طارئة للمجلس يوم الثامن والعشرين من أوكتوبر الماضي أي بعد ثلاثة أيام من إندلاع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير،  وعَرَضَ التصويتَ على حزمة قرارات عاجلة ، كانت مجالس المحافظات من أول القرارات التي طالب المجلس بحلها بعد تصويت النواب بالاكثرية على ذلك باعتبار ذلك اهم مطلب شعبي عراقي عام. لقد كانت تلك الجلسة تاريخية ويجب أنْ لاتُعامل معاملة الجلسات التقليدية التي يعقدها المجلس ، انها استجابة جريئة مسؤولة  من قبل الحلبوسي بوصفه رئيس برلمان الشعب كما هو التوصيف الطبيعي للمجلس وكانت جلسةً مهمة  بمستوى الأزمة التي أربكت الدولة ومؤسساتها .
لا يظن أحدٌ بأن النواب الذين صوتوا ، قد صوتوا جزافاً لكي ينتفض أغلبيتهم  دون وعي دستوري باتجاه حل مجالس المحافظات ، لندخل بعد ذلك في سجال حول دستورية  وجودها أو ضرورة تشريع قانون لالغائها نهائيا ، فالشؤون الدستورية تتصل بالمراجعات والتقييم محل الجدل ، لكننا أمام إشكال لاجدال فيه ،وهو أنّ مجالس المحافظات أصبحت حلقة خطيرة في جسد الدولة العراقية ، عزلت  المحافظات عن بعضها حتى في القوانين الداخلية للمحافظة الوحدة ، اعلان العطل الرسمية – الممنوعات والمسموحات ، شؤون المواطنين العامة ، الازياء ، المدارس ، مفارز التفتيش، وكاننا في اكثر من دولة ولسنا دولة موحدة وما المحافظات سوى تقسيمات ادارية للبلاد ، بل ان تلك المجالس  بتشعباتها المحلية داخل المحافظة الواحدة اختطفت المحافظات والاقضية والنواحي لمصالح حزبية شابها الفساد والعرقلة  والنزاع بينها على ذلك، دون وجود ضرورات معتادة لذلك النزاع مثل الطائفية او المحاصصة المكوناتية ، حيث ان  المحافظات جميعها باستثناء بغداد وكركوك والى حد ما ديالى لاتشهد ذلك ، فماهي وجهة مراعاة التوازن الوطني في الناصرية او السماوة او النجف او الانبار والموصل مثلا!! وهي محافظات ذات طابع عام معروف بانتماءات سكانها؟ ، القصة اذاً هي افتراسٌ حزبي لميزانيات وشؤون تلك المحافظات من قبل الأحزاب التي تزرع أنيابها كممثلين في تلك المجالس ، تحت غطاء مجلس تشريعي ضيق للمحافظة أو مجلس بلدي للقضاء والناحية  ، لقد شهدنا كيف تتقاسم الأحزاب وليس الطوائف والمكونات مؤسسات المحافظة وكيف تستولي على المديريات وكيف تتدخل بابسط مشروع من المشاريع الوهمية او المشاريع المعلقة حتى اليوم دون اكتمال ، ويمكن سرد العديد من القصص والمواقف المخجلة عن التعامل مع المقاولين والابتزاز مقابل انتخاب محافظ او تعيين مدير شرطة أو تربية وتعطيل إكمال الأبنية والطرق بسبب وجود آفة مجلس المحافظة حتى وصل الامر الى تقاسم احزاب مجلس المحافظات كراجات السيارات والجبايات المتحصلة من عملها . لذلك فما نقرأه من سجال دستوري انما هو حديث فارغ عن دولة منخورة بهذه التشكيلات الخطيرة ، مجالس المحافظات لاتقل خطرا عن داعش الذي ابتلع محافظات لولا دحره بحكمة المرجعية وتصدي الجيش العراقي والحشد الموحد وجميع التشكيلات الامنية .
وكلنا يسترجع كيف كانت الاحزاب الشيعية في الجنوب والسنية في الغرب والكردية في الشمال ،تصفي حساباتها في انتخابات مجالس المحافظات قبل الانتخابات البرلمانية العامة . وكيف تستخدم  القانون الانتخابي لتجريد مجالسها من أية كفاءة مستقلة . وعليه لابد من عمل طاريء لاقتلاع  تلك الاورام الدستورية من الدولة العراقية ، وان يصار الى تكوين مجالس بديلة  من مدراء المديريات والمؤسسات العاملة في المحافظة  ، تحت رقابة شعبية وبرلمانية على سير العمل ، وانهاء وجود ممثلي الاحزاب الذين هم سبب النكسة الاول في انتاج النزاع المستمر بين السلطات الامنية والتنفيذية في المحافظة وبين تلك المجالس . أما كيف يتم ذلك ، بالقوة او بالدستور او بانتفاضة شعبية او باجراء خاص، لانعرف آلياته فهذا أمر منوط بالحكومة العراقية التي تعرف  تماما ان وجود مجالس المحافظات بالشكل الذي هو عليه خلال الثمانية عشر عاما الماضية ، انما هو الخطر المنظّم ، او الخطر الدستوري الاكبر الذي يفتك بالدولة العراقية ، وان عليها استثمار التصويت الاولي على حلها الذي جرى في الجلسة البرلمانية الطارئة التي دعا اليها الحلبوسي تلك الليلة وتطويره وتفعيله باتجاه مستقبل للعراق مطهّرٍ من تلك الحلقات الفاشلة  الخطيرة المسماة ، مجالس المحافظات.

image image image

آراء من نفس الكاتب


المزيد
image
الرئيسية من نحن الخدمات ارشیف الموسوعة

تنزيل التطبيق

image image

تابعونا على

الأشتراك في القائمة البريدية

Copyright © 2018 Mawazin News Developed by Avesta Group

image

اللائحة

الأقسام